حماتي سرقت ورثي وزوجت بنت أختها لزوجي بفلوسي
أنا “حصة”، بنت “ال سعود” الله يرحمه، اللي شقي طول عمره وتعب عشان يخلي لي ريالات وعمارة تسترني. كنت أحسب إني لما أتزوج “عصام” وأسكن حماتي “الخالة نظيرة” معاي، إني كذا سويت بيت وعائلة.. ما كنت أدري إني كنت أربي ثعابين بصدري وأأكلهم من شقى عمري.
“كلمتين حلوين.. وسم في العسل”
حماتي كانت طول اليوم والليل تقول لي: “يا حصة يا بنتي، إحنا مالنا غيرك، والحلال حلالك، بس العين حق، والناس ما راح تخلّيك في حالك وإنتي حرمة لحالك”. ظلت تحن وتزن فوق راسي هي وولدها، لين أقنعوني أسوي لعصام “توكيل عام شامل” عشان يعرف يدير المحلات ويخلص أوراق الضرايب. كنت أقول في نفسي: “هذا زوجي وأبو عيالي، والقمة وحدة”. وفي وسط هذا كله، كانت “هناء” بنت أخت حماتي، ما تفارق البيت. غسيل، كرف، طبخ.. كانت كأنها شغالة تحت رجلي. كنت أشفق عليها وأعطيها من ملابسي وذهبي القديم، وأقول “مساكين يا قلبي ويبغون يسترون نفسهم”.
“يوم الواقعة”
(حكايات روماني مكرم) رجعت من مشوار طويل عند المحامي أخلص ورقة لعمي، دخلت البيت لقيت الغطارف (الزغاريد) تملى المكان. قلبي انقبض، قلت يمكن أحد من الجيران عنده فرح. بس لما طلعت شقتي، لقيت الباب مفتوح، والريحة “بخور وعطر” غريب. دخلت الصالة، لقيت حماتي قاعدة ومتربعة ولابسة “هامة الذهب” (كردان الذهب) حقي، وبتقول بصوت عالي: “يا ألف نهار بركة.. ليلتك بيضة يا هناء يا بنتي، نورتي بيت زوجك!” “الصدمة”
وقفت في مكاني مو مصدقة، طلع عصام من الغرفة ببشته، وماسك بيد “هناء” وهي لابسة فستان أبيض ضيق، وعليها طرحة، وماسكة بوكيه ورد.. الورد اللي أنا توي شاريته للبيت الصبح!
أنا بصراخ: “إيش المهزلة هذه يا عصام؟ إيش اللي قاعد يصير في بيتي هذا؟” حماتي (قامت ووقفت في وجهي بكل بجاحة): “بيتك؟ بيت إيش يا حبيبتي؟ هذا بيت عصام، والست هناء هي راعية البيت من اليوم. إحنا بعنا واشترينا بالتوكيل يا حصة، والعمارة والمحلات والفيلا اللي إحنا فيها هذه، كلها صارت باسم ولد نظيرة.. وباسم العروسة الجديدة مهرها!”
طالعت عصام، كنت أنتظر يقول كلمة، يدافع عني، ينكر.. لكنه طالع الأرض وقال بكل برود: “نصيب يا حصة.. وأنا ما كان ينفع أعيش في حلال حرمة، الحين أنا المعزب والملك، وإنتي لو تبغين تقعدين هنا، تقعدين خادمة تحت رجول هناء وأمي، غير كذا.. الباب يفوّت جمل.” “الخروج من الجنة”
قربت هناء مني، وضحكت ضحكة صفراء وهي تلمس “دبلة زواجي” اللي كانت في يدها، وقالت: “معليش يا حصة.. أرزاق، وإنتي رزقك خلص هنا.”
رموا لي شنطة فيها ملابسي المقطعة، ودزوني (دفوني) برا الباب. وقفت في الشارع وأنا أشوف الأنوار من الدريشة (النافذة)، وسامعة ضحكهم بفلوسي وحلال أبوي. مسحت دمعتي بيدي اللي كانت للحين مغبرة بتراب المحلات، وقلت بصوت واطي بس يسمعه ربي: “وحق شقى أبوي، وحق كل ريال أخذتوه بالحرام، لأخليكم تتمنون الموت وما تلقونه.. إنتوا سرقتوا الفلوس، بس نسيتوا إن ‘بنت المعلم’ للحين فيها الروح.” تتوقعون حصة إيش راح تسوي؟
وسووا لي لايك وكومنت بالصلاة على النبي وراح أرد عليكم بباقي القصة كاملة باول كومنت للنهاية هنا (قصص نص الحكاية ).
طالعت عصام، كنت أنتظر يقول كلمة، يدافع عني، ينكر.. لكنه طالع الأرض وقال بكل برود: “النصيب يا حصة.. وأنا ما كان ينفع أعيش في حلال حرمة، الحين أنا المعزب والملك، وإنتي لو تبغين تقعدين هنا، تقعدين خادمة تحت رجول هناء وأمي، غير كذا.. الباب يفوّت جمل.” الخروج من الجنة هناء قربت مني، وابتسامتها واسعة بشكل خلّى الدم يتجمد في عروقي، ومدت يدها على ذهبي اللي في رقبتي وقالت بصوت كله شماتة: “الذهب هذا بعد لازم ينشال يا حصة، أصل الست الجديدة ما ينفع تتنكد وهي تشوف القديمة للحين متبغددة (متدلعة).”
دفعتها عني بقوة، وطالعت عصام بعيون مليانة دموع وقهر: “للدرجة هذه بعتني؟ بعد عشرة 12 سنة؟ بعد ما وقفت جنبك وإنت ما كنت تملك حق بكت دخان (علبة سجاير)؟”
لكن عصام حتى ما رفع عينه فيني، كان واقف جنب هناء كأنه عريس مستحي، مو رجال قاعد يخرب بيت زوجته.
حماتي صرخت: “لمّي خلاقينك (هدومك) واطلعي برّا قبل ما نرميك في الشارع!”
ضحكاتهم كانت تضرب في أذني مثل السكاكين، بس وأنا داخلة الغرفة ألم ملابسي، سمعت جملة خلتني أوقف في مكاني.
هناء قالت بصوت واطي وهي تحسب إني ما أسمعها:
“المأذون أخذ الفلوس وسكت، بس لو حصة عرفت إن الزواج باطل بتصير مصيبة.”
قلبي دق بقوة.
باطل؟
إيش اللي تقصده؟
ظليت هادية لأول مرة من ساعة ما دخلت البيت. أخذت شنطتي، ونزلت بدون أي كلمة، لكن جواتي نار تشب.
رحت عند أقدم صاحب لأبوي، المحامي مختار بيه. الرجال أول ما شافني بهالحالة، فهم إن في مصيبة صايرة.
حكيت له كل شيء.. التوكيل، البيع، الزواج.
سكت شوي، وبعدين سألني: “التوكيل اللي سويتيه لعصام كان يسمح له يبيع لنفسه؟”
هزيت راسي:
“ما أدري.”
فتح نسخة التوكيل اللي كانت عنده في الملفات القديمة وقعد يقلب فيها، وفجأة ابتسم.
ابتسامة صغيرة بس ردت لي الروح.
قال: “يا بنت ال سعود، هذولا ورطوا أنفسهم في قضية عمرهم.”
قربت منه بسرعة: “يعني إيش؟”
رفع الورقة قدامي وقال: “التوكيل يسمح بالإدارة، بس البيع للنفس أو التنازل عن الممتلكات لازم يكون فيه بند صريح. كل اللي سووه هذا ينطعن عليه ويلغى.”
شهقت وأنا أحس الدنيا تدور فيني من جديد.
لكنه ما خلص كلامه، قال وهو يعدل نظارته: “والأهم من هذا، زواج عصام من هناء أصلاً مو مثبت رسمي للحين.
المأذون كتب ورقة عرفي مؤقتة عشان الفلوس اللي أخذها، يعني لو تحركنا بسرعة، بنهدم البيت فوق روسهم.”
أول مرة من ساعات أحس إني قادرة أتنفس.
لكن الصدمة الأكبر جت بعدها بدقايق.
مختار بيه فتح درج مكتبه وطلع ملف قديم مكتوب عليه اسم أبوي.
وقال: “أبوك الله يرحمه كان شاك في نظيرة من زمان وكاتب لك أمانة.”
فتح الملف ولقيت صور.
صور لحماتي وهي تزوّر عقود قديمة، وصور لعصام وهو يبيع بضاعة من محلات أبوي من وراي، وتحويلات فلوس باسم هناء من قبل حتى ما أتزوجه!
يعني الخيانة كانت متخطط لها من سنين!
يدي كانت ترجف وأنا أقلب الصور، لين طاحت عيني على صورة أخيرة.
صورة لعصام وهناء.
قديمة مرة.
وورا الصورة مكتوب بخط حماتي: “العروسة الحقيقية لولدي أول ما نأخذ كل شيء من حصة.”
وقتها بس فهمت.
أنا ما كنت زوجة.
أنا كنت الجسر اللي بيمرون عليه للثروة، ولما وصلوا، قرروا يحرقونه.
رفعت عيني لمختار بيه، وقلت بصوت كله وجع: “لأخليهم يندمون إنهم عرفوا مين هي حصة بنت ال سعود.”
وفي نفس اللحظة..
رن جوالي.
رقم غريب.
رديت، فجاني صوت رجال متوتر: “مدام حصة؟
الحقينا بسرعة، في حريق شاب في عمارتك، وحماتك وزوجك والعروسة الجديدة للحين داخل!”
جريت من مكتب المحامي وأنا قلبي يدق بقوة، ومختار بيه وراي يصرخ: “استني يا حصة! الشرطة لازم تتحرك أول!”
لكن أذني ما كانت تسمع إلا جملة وحدة: “عمارتك تحترق.”
وصلت الشارع لقيت الدنيا مقلوبة. النار تطلع من شباك الدور الثاني، والناس متجمعة، وصوت صراخ هناء يشق السماء: “الحقوناااا!”
وقفت مصدومة، هذه نفس الغرفة اللي كانوا يجهزونها عشان تكون غرفة العروسة الجديدة.
واحد من الجيران جرى علي: “يا مدام حصة! أسطوانة الغاز انفجرت فجأة!”
لكن في شيء جواتي يقول إن الموضوع مو طبيعي.
حماتي كانت واقفة في البلكونة تصرخ وتطق على الحديد: “يا ناس! افتحوا الباب!
عصام طايح داخل!”
رجال الدفاع المدني حاولوا يدخلون، لكن النار كانت شابة في الصالة كلها.
وفجأة..
طلع عصام من وسط الكتمة والدخان وهو يكح بقوة، ملابسه مشققة، ووجهه أسود من الحريق، وشايل هناء بين يدينه وهي شبه مغمى عليها.
أول ما شافني واقفة، طالعني نظرة غريبة مكسورة.
جريت ناحيته غصب عني: “إنت بخير؟”
لكن قبل ما يرد، حماتي نزلت تجري على الدرج وهي تلطم: “الذهب! ذهبي احترق! العقود! العقود راحت!”
وقتها مختار بيه اللي كان وصل، قرب مني وقال بهدوء: “سمعتي؟ العقود.”
طالعته مو فاهمة.
قال:
“لو العقود الأصلية احترقت، يعني ما أحد بيقدر يثبت نقل الملكية.”
حماتي سمعت الكلمة، وتجمدت بمكانها.
وبعدين طالعت عصام بخوف لأول مرة: “قول لهم إن النسخ الثانية في البنك!”
لكن عصام سكت.
سكت بطريقة خلت قلبي ينقبض.
مختار بيه قرب منه: “في بنك إيش يا أستاذ عصام؟ الحسابات كلها مجمدة من أول ما قدمنا البلاغ.”
وجه هناء قلب أصفر فجأة: “يعني الفلوس؟!”
المحامي رد بكل برود: “انحجز عليها.”
هنا حماتي فقدت أعصابها تماماً، ومسكت في هناء تشدها بقوة: “إنتي السبب! من يوم ما دخلتي البيت والنحس نزل علينا!”
هناء دفتها وهي تصرخ:
“أنا؟! مو إنتي اللي قلتي نشب في جزء بسيط من الغرفة عشان نأخذ التأمين؟!”
الشارع كله سكت.
حتى صوت النار صار بعيد.
طالعتهم وأنا أحس رجولي مو شايلتني.
حماتي شهقت: “اسكتي يا مجنونة!”
لكن هناء كانت منهارة: “إنتي وعصام خططتوا لكل شيء! قلتوا لي بنخوف حصة ونقبض التأمين ونبيع العمارة بعدها!”
الشرطة اللي كانت وصلت وقتها قربت فوراً.
والضابط طالع عصام: “الكلام هذا صحيح؟”
عصام رفع عينه لي لأول مرة من بعد اللي صار، وكانت مليانة رعب.
لكن قبل ما يتكلم..
صوت صراخ طلع من العمارة.
واحد من رجال الإطفاء طلع وهو شايل صندوق حديد صغير متفحم نصفه، ويقول: “لقينا هذا مخشوش تحت السرير.”
حماتي أول ما شافته شهقت وطاحت على الأرض: “لااا.. مو الصندوق هذا!”
مختار بيه أخذه وفتحه بحذر.
وجوا الصندوق كانت المفاجأة اللي قلبت كل شيء.
عقد زواج قديم مرة باسم عصام.
وعلى اسم حرمة ثانية غيري وغير هناء.
الشارع كله تجمد.
الضابط خطف العقد من يد مختار بيه وبدأ يقرأه بسرعة، وبعدين رفع عينه لعصام: “إنت متزوج قبل حصة؟!”
عصام وجهه صار رمادي، وشفايفه ترجف، لكن حماتي صرخت فجأة:
“العقد هذا قديم وما له قيمة!”
مختار بيه سحب الورقة من يد الضابط وركز فيها، وبعدها قال جملة خلت الدنيا تنقلب: “هذا مو زواج قديم وبس، هذا الزواج للحين قائم رسمي.”
طالعت عصام وأنا أحس الأرض تدور فيني: “يعني إيش؟”
المحامي طالعني بأسف: “يعني زواجك من عصام باطل من الأساس يا حصة، لأنه كان متزوج قبلك وما طلق زوجته.”
الناس بدأت تتهامس، وهناء رجعت خطوتين لورا وهي مصدومة: “وأنا؟!”
مختار بيه رد ببرود: “إنتي بعد زواجك باطل.”
حماتي بدأت تلطم على وجهها: “يا خراب بيتي!”
لكن الضابط وقف قدام عصام مباشرة:
“يعني حضرتك نصاب ومتزوج ثنتين بعقود غير قانونية، وفي بلاغ نصب واستيلاء وحريق عمد، شكلك داخل على أيام سوداء.”
عصام حاول يتكلم: “والله أمي هي اللي خططت لكل شيء…”
“انطم!” صرخت حماته وهي تجري عليه تضربه في صدره، “الحين ترميني أنا؟!”
وفجأة..
صوت حرمة طلع من وسط الزحمة: “اتركيه يا خالة نظيرة، هو طول عمره جبان.”
كل الناس طالعت ناحية الصوت.
حرمة كبيرة شوي، لابسة عباية سوداء، وشكلها تعبان، ماسكة بيدها ولد عمره حوالي عشر سنين.
قربت بخطوات ثابتة، ووقفت قدام عصام.
الولد طالعه وقال:
“إنت أبوي بجد؟”
عصام تراجع كأنه شاف شبح.
الحرمة طلعت بطاقة وعقد زواج رسمي وقالت: “أنا سعاد زوجته الأولى. اللي قال للناس إني مت.”
شهقت وأنا حاطة يدي على فمي.
سعاد كملت والدموع في عيونها: “أمه خشته عني بعد ما ولدت الولد. كانوا يرسلون لي مصروف قليل كل شهر عشان ما أظهر. ولما عرفت إنه تزوج وحدة غنية، فهمت اللعبة.”
حماتي كانت ترجف: “إنتي كذابة!”
لكن سعاد طلعت ورق تحويلات، وصور قديمة لعصام مع ولده.
الضابط أخذ كل شيء، وطالع عصام: “تفضل معانا.”
هنا عصام انهار لأول مرة.
طاح على ركبه قدامي:
“سامحيني يا حصة، أمي دمرتني.”
طالعته طويل..
تذكرت سنين عمري اللي ضاعت، وفلوسي اللي انسرقت، وكسرتي وأنا أشوف زوجي يدخل على بنت ثانية في بيتي.
لكن الغريب..
إني ما حسيت بكره.
حسيت باقشعرار بس.
نزعت دبلتي بهدوء، وحطيتها في يده.
وقلت: “علمتوا أنفسكم تأكلون حقوق الناس، بس نسيتوا إن الظلم عمره قصير.”
الشرطة أخذت عصام وحماته وهناء للتحقيق.
أما أنا..
فبعد شهور في المحاكم، رجعت كل أملاكي، والمحلات، وحتى العمارة.
وأول شيء سويته؟
إني بعت البيت كله.
البيت اللي كان مليان غدر.
وبنيت مكانه دار أيتام باسم أبوي “ال سعود”.
وفي يوم الافتتاح،
كنت واقفة أطالع الأطفال وهم يضحكون، لما سمعت صوت صغير ينادي: “طنط حصة!”
التفت، لجيته ولد سعاد.
جرى علي..
وسعاد كانت واقفة بعيد تبتسم لأول مرة.
قربت مني وقالت: “أهو ربي رجع لك حقك، ورجع لولدي أبوه الحقيقي.”
ابتسمت بهدوء وطالعت السماء.
ولأول مرة من سنين، حسيت إن أبوي مرتاح.
بعد سنة كاملة..
كنت قاعدة في مكتبي الجديد فوق دار الأيتام، أراجع حسابات المكان، لما السكرتيرة دخلت بتوتر وقالت: “في رجال برّا مصمم يقابلك.”
رفعت عيني بضيق: “مين؟”
قالت بصوت واطي: “عصام.”
سكت ثواني.
كنت أحسب إني نسيت ملامحه، لكن أول ما دخل، حسيت قد إيش الزمن يكسر الناس.
شعره كله شاب، جسمه نحف، وعيونه مطفية.
ما كان يشبه الرجال اللي وقف قدامي يوم وقال: “بتعيشين خادمة تحت رجول هناء”.
وقف قدامي مطول، وبعدين مد لي ظرف قديم.
“هذا خطاب أبوك، كان مع أمي.”
يدي ارتجفت وأنا أفتحه.
كان بخط أبوي فعلاً:
“لو تقرأين الخطاب هذا يا حصة، يعني أنا غالباً مو موجود. انتبهي لحقك ولقلبك. في ناس لما تجوعينهم للفلوس يأكلون روحك، بس إياك القسوة تغيرك. اللي يسرق حقك خذيه بالقانون، لكن لا تخلين الكره يسكنك.”
دموعي نزلت غصب عني.
طالعت عصام: “إيش تبغى؟”
نزل عينه للأرض وقال: “ولا شيء. أنا بس طلعت من السجن وما لقيت مكان أروح له. أمي ماتت هناك وهناء تركتني بعد ما الفلوس راحت.”
كان صوته مكسور بطريقة عمري ما تخيلتها.
سكت شوي، ثم قال: “أنا أستاهل كل اللي جرى لي.”
قمت بهدوء، وفتحت الدرج، وطلعت مبلغ صغير.
حطيته قدامه.
طالعني بدهشة: “إيش هذا؟”
قلت بهدوء: “هذه مو صدقة، هذه نهاية عشرة. خذهم وابدأ أي شغل بعيد عني.”
حاول يرفض، لكني أشرت ناحية الباب:
“الفرصة اللي ضيعتها معاي عمرها ما راح ترجع.”
طلع عصام ببطء.
ولما الباب تسكر وراه، حسيت بشيء غريب..
لا شماتة.. ولا وجع.. مجرد راحة.
بعدها بشهور، وقفت قدام صورة أبوي في دار الأيتام، والأطفال يجرون حولي ويضحكون.
ابتسمت للصورة وقلت: “حقك رجع يا يبه، وأنا بعد رجعت لنفسي.”
وفي اللحظة هذه، عرفت إن أقسى انتقام مو إنك تدمر اللي ظلمك.. أقسى انتقام إنك تعيش سعيد بعده.
بعد سنتين..
الناس كلها كانت تحسب إن حكاية حصة انتهت، وإن الحرمة اللي انغدر فيها قامت على حيلها وخلاص.
بس الحقيقة إن النهاية الحقيقية جت في ليلة مطر قوية، وأنا راجعة من دار الأيتام.
جوالي رن.
رقم مستشفى.
رديت باستغراب، فجاني صوت دكتور: “مدام حصة؟ في مريض عندنا طالب يشوفك قبل ما يموت.”
قلبي انقبض فجأة: “مين؟”
الدكتور سكت ثانية وقال: “الحاجة نظيرة.”
تجمدت بمكاني.
حماتي.. الست اللي خربت حياتي بتموت؟
رحت المستشفى وأنا مو فاهمة ليه قلبي يدق كذا.
يمكن عشان آخر مرة شفتها كانت وهي تنسحب على دورية الشرطة وتصرخ: “الفلوس هذه حقتنا!”
دخلت الغرفة.
لقيتها نحيفة مرة، جسمها ذابل، وعيونها غايرة لداخل.
أول ما شافتني، دموعها نزلت.
أول مرة أشوف الحاجة نظيرة تبكي بجد.
مدت يد ترجف ناحيتي: “سامحيني يا حصة.”
ظليت واقفة بمكاني.
قالت بصوت متقطع: “أنا اللي ضيعت ولدي وربيت الطمع جواته، كنت أحسب الفلوس بتخلينا ملوك.”
سكتت تأخذ نفسها بالعافية، وبعدين قالت: “العمارة والذهب والمحلات كل هذا راح. وعصام صار ضايع في الشوارع. وأنا ما أحد رضى يزورني غيرك.”
الكلمة الأخيرة كسرت شيء جواتي.
قربت منها بهدوء.
طلعت من تحت المخدة مفتاح صغير وسلسلة قديمة. حطتهم في يدي وقالت: “أبوك كان مخبي أمانة لك وأنا سرقتها.”
طالعت المفتاح باستغراب.
قالت وهي تلهث: “في مستودع قديم باسم ال سعود.. روحي له.”
وبعدها بلحظات، جهاز القلب بدأ يصفر.
الدكاترة جروا.
وأنا واقفة أطالعها.. الحرمة اللي دمرت عمري بتموت قدامي.
لكن قبل ما عيونها تقفل، همست: “أبوك كان يحبك مرة…” وماتت.
ثاني يوم، رحت للمستودع القديم.
مكان مهجور ومليان غبار.
فتحت بالمفتاح، ودخلت.
وفي آخر المستودع كان فيه صندوق خشب كبير.
فتحت بإيد ترجف.
ولقيت جواته مفاجأة عمري ما توقعتها.
دفاتر قديمة بخط أبوي وصور لي وأنا صغيرة ورسالة فوق الكل مكتوب عليها: “لبنتي حصة لو الأيام قست عليك”.
فتحت الرسالة ودموعي تنزل: “يا حصة، لو وصلتي هنا، يعني عرفتي إن الدنيا ما تأمن لأحد. أنا تركت لك فلوس تكفيك عمرك كله، بس الأهم تركت لك سمعة طيبة واسم نظيف. حافظي عليهم، لأن المال ينسرق بس الأصل الطيب عمره ما يضيع.”
كان جوات الصندوق أوراق حسابات وشهادات استثمار باسمي بثروة أكبر بكثير من اللي انسرق مني.
وقتها بس.. ضحكت وسط دموعي.
لأن ربي ما رجع لي حقي وبس، هذا كان مخبي لي رزق عمري كله بعد الصبر.
طلعت من المستودع، والشمس كانت طالعة بعد المطر.
رفعت وجهي للسماء وابتسمت.
ولأول مرة من سنين طويلة، حسيت إن كل الوجع انتهى فعلاً.
بعد خمس سنين..
اسم حصة بنت ال سعود صار معروف في البلد كلها.
مو عشان الفلوس، بس عشان دار الأيتام والمستشفى الصغير اللي بنته لله، وكل طفل ما له أهل كان يلقى عندها أمان.
وفي ليلة هادية، كانت حصة قاعدة في بلكونة بيتها الجديد، تشرب شاهي بالنعناع، لما البواب طلع لها وقال: “يا مدام حصة، في رجال تحت يبغى يقابلك، وشكله تعبان مرة.”
نزلت باستغراب.
ولما شافته قلبها وقف لحظة.
عصام.
لكن مو عصام اللي عرفته.
كان قاعد على كرسي متحرك، جسمه هزلان، ونصف وجهه مشوه من حادثة.
طالعها بعين مكسورة وقال:
“عارف إن ما لي حق أشوفك، بس هذه آخر مرة.”
ظلت ساكتة.
طلع من جيبه علبة صغيرة قديمة ومدهالها.
فتحتها ببطء، لقيت دبلتها.
الدبلة اللي نزعها من يدها يوم كسر قلبها.
قال بصوت متقطع: “ظليت محتفظ فيها، كل يوم أتذكر أنا خسرت إيش.”
دموعه نزلت لأول مرة قدامها.
“أنا تعاقبت يا حصة.. أمي ماتت، والناس تركتني، والفلوس راحت وحتى صحتي راحت.”
طالعته طويل.
الغريب إنها ما حست بكره ولا حب.
حست إن الرجال اللي قدامها مجرد حكاية قديمة وانتهت.
قال برجاء: “محتاج أسألك سؤال واحد..
سامحتيني؟”
حصة طالعت السماء شوي، ثم قالت بهدوء: “أنا سامحت نفسي إني وثقت في ناس غلط ومن يومها قلبي ارتاح.”
سكت عصام، وفهم إن هذه أقصى رحمة ممكن يأخذها.
لفت تمشي، لكنه ناداها: “حصة.”
طالعته بدون كلام.
ابتسم وسط دموعه وقال: “أبوك كان عنده حق.. إنتي أغلى من أي فلوس.”
ومشى.
بعدها بأيام، عرفت إنه مات.
لحاله.
لكن قبل ما يموت، كتب كل اللي باقي باسمه لدار الأيتام.
وفي يوم افتتاح جناح جديد باسم عصام، وقفت حصة تطالع الأطفال وهم يلعبون ويضحكون.
وحدة صغيرة شدت طرف فستانها وقالت:
“هو مين عصام هذا يا طنط؟”
ابتسمت حصة بهدوء، وطالعت بعيد ناحية السماء، وقالت: “أحد تأخر مرة.. بس عرف الحقيقة في الآخر.”
والأطفال رجعوا يضحكون حولها، بينما الشمس كانت تغرق المكان بنورها الدافئ.
أما حصة.. فأخيراً فهمت إن النهاية الحقيقية مو إن اللي ظلمك يطيح.
النهاية الحقيقية.. إنك تقوم إنت.