ساب مراته بتنزف على الارض وراح عيد ميلاد امه فعاد ليجد بيته ساحة حرب
يا عاصم… والنبي بلاش، بطني بتتقطع، حاسة إن روحي بتتسحب.
قالتها “داليا” وهي ممددة على أرضية المطبخ الباردة، غارقة في عرقها ودموعها. كانت في الشهر التاسع، والنزيف بدأ فجأة زي شلال صغير.
وقف “عاصم” جوزها قدام مراية الطرقة، بيظبط “ياقة” القميص الحرير الغالي، وبيتعطر ببرفان نفاذ. بصلها في انعكاس المراية ببرود، كأنها كوم زبالة مش مراته وأم ابنه اللي جاي:
— داليا… بطلي حركات الستات دي، كل واحدة بتيجي تولد لازم تعمل الفيلم ده.
أمي عاملة حفلة عيد ميلاد كبيرة، ومستنياني، ومش هينفع أتأخر عشان “دلعك”.
داليا عضت على شفايفها عشان ما تصرخش، الألم كان أقوى من احتمال بشر:
— داليا… الدكتورة قالت لو نزل دم أو جالي مغص شديد زي ده، لازم أطير على المستشفى فورًا.. ده خطر عليا وعلى الواد.
عاصم ضحك ضحكة صفرا وهو بياخد مفاتيح عربيته الـ BMW من على الترابيزة:
— خطر إيه؟ الدكاترة دول بيبالغوا عشان ياخدوا فلوس. وبعدين إنتي عايزة تحرمي أمي من فرحتها بيا في عيد ميلادها؟ دي الستين يا هانم. استحملي ساعتين تلاتة، ولمّا أرجع هبقى أشوفك.
سابها وخرج، ورزع باب الشقة وراه، كأنما بيعلن الحرب عليها.
عدت ساعتين… تلاتة… أربعة.
داليا كانت خلاص فقدت الوعي من كتر النزيف والألم. الجيران سمعوا صوت خبط ودوشة، كسروا الباب ولقوها في حالة يرثى لها. اتصلوا بالإسعاف في اللحظة الأخيرة.
في المستشفى، دخلت داليا العمليات فورًا. الدكتور قال للممرضين بجدية: “انفصال تام في المشيمة، لو اتأخرنا دقيقة كمان كانت ماتت هي والطفل”.
بعد ساعات طويلة، فاقت داليا. لقت ابنها في الحضانة، وهي متعلقة بمليون جهاز. أول كلمة نطقتها بضعف وهي بتبص للممرضة:
— تليفوني… عايزة تليفوني ضروري.
مسكت الموبايل وإيدها بترتعش.
فتحت الواتساب، لقت صور الحفلة. عاصم بيحضن أمه، بيرقص، بيضحك، وكأن مراته وابنه مش بين الحياة والموت. ولقيت “ستوري” كاتبتها حماتها “الحاجة إنعام”: “عيد ميلاد ابني حبيبي ونور عيني، ربنا يخليك ليا يا سندي، والحمد لله إننا خلصنا من النحس اللي كان مكدّر حياتنا”.
الكلمة دي نزلت على قلب داليا زي الرصاصة. مسحت دموعها، وقررت إن “الفيلم” اللي عاصم كان خايف منه، هيبدأ بجد.
اتصلت برقم، ورد عليها صوت رجولي حازم:
— أيوه يا داليا يا بنتي، طمنيني عليكي؟
داليا بصوت مبحوح لكن مليان تصميم:
— يا بابا… أنا عايزة المحامي الخاص بتاعك، دلوقتي حالا.
طلع إن “اللواء جلال”، أبو داليا، مش مجرد موظف على المعاش زي ما عاصم كان فاكر. ده كان لواء في جهاز حساس، وعلاقاته بتوصل للسما. وعاصم كان أصلاً متجوز داليا طمعاً في نفوذ أبوها عشان يكبّر شركاته.
بعد يومين، كان عاصم راجع من الشغل، فرحان بنفسه، لقى قدام العمارة عربيات سوداء فخمة، ورجال ببدل رسمية. طلع شقته، لقى اللواء جلال قاعد ببرود، جنبه ضابطين من مباحث الأموال العامة.
عاصم ارتبك: “في إيه يا سيادة اللواء؟ خير؟”.
اللواء جلال قام وقف، وبص لعاصم بصه خلت الدم يجمد في عروقه، وقاله بصوت واطي ومرعب:
— الخير جاي يا “ابن الغالية”. بنتي كانت بتموت في المطبخ وإنت بتحتفل بأمك. ونسيت إن اللي بيلعب مع “اللواء جلال” بيخسر كل حاجة. تراجع عاصم خطوة للخلف، وجهه شحب تماماً، والابتسامة المصطنعة تلاشت لتحل محلها ملامح ذعر لم يعرفها من قبل. حاول التماسك، وقال بصوت متقطع:
— يا سيادة اللواء.. والله الموضوع فيه سوء تفاهم. داليا.. داليا كانت بتهول الأمور، وأنا كنت فاكر إنها…
قاطعه صوت اللواء جلال الهادئ الذي كان أرعب من الصراخ:
— إنك كنت فاكر؟ يا عاصم، التقارير اللي قدامي دلوقتي مش بس بتتكلم عن “إهمال أسري”، دي بتتكلم عن تلاعب في دفاتر شركتك، وتهرب ضريبي، ورشاوي كنت بتدفعها عشان ترسي عليك مناقصات. أنا مش جاي عشان بنتي بس، أنا جاي عشان أطهر “الوسط” من أشكالك. في تلك اللحظة، فتح باب غرفة النوم، وخرجت داليا. كانت شاحبة، وجهها خالٍ من أي تعبير، تمشي ببطء مستندة على عصا طبية، لكن عينيها كانت تلمعان ببريق لم يعرفه عاصم من قبل؛ بريق القوة التي استمدتها من نجاة ابنها ومن خيانة زوجها.
وقفت أمامه، نظرت في عينيه اللتين توسلتا إليها، ثم قالت بهدوء قاتل:
— عاصم، فاكر لما قلتلي إن “دلع الستات” ده فيلم؟ الفيلم خلص يا حبيبي. والحقيقة دلوقتي هي اللي بدأت. خرج الضباط من الغرفة ومعهم ملفات وأوراق كانت مخبأة في خزينة عاصم، تلك التي كان يظنها حصنه المنيع. انهار عاصم على ركبتيه، ليس ندمًا على ما فعل بداليا، بل رعبًا على ضياع عرشه وأمواله. — داليا.. أرجوكي، عشان خاطر ابننا.. قولي لهم يسيبوني! أنا عملت كل ده عشان أعيشكم في مستوى كويس!
ضحكت داليا ضحكة مريرة، ثم اقتربت منه وهمست في أذنه:
— المستوى الكويس اللي كان بيبدأ على حساب روحي وروح ابننا؟ لا يا عاصم.. السند الحقيقي مش اللي بيحضر عيد ميلاد أمه ويسيب مراته بتموت.. السند هو اللي بيعرف يختار الشخص اللي ما يتكسرش. في هذه الأثناء، دخلت “الحاجة إنعام” الشقة، تصرخ وتولول، ظنًا منها أن داليا لا تزال ضعيفة كما تركتها:
— إيه المسخرة دي؟ جيتوا ليه؟ عاصم ابني أشرف منكم كلكم! نظر إليها اللواء جلال ببرود، وأشار لأحد الضباط:
— خديها هي كمان، التحقيقات أثبتت إن حسابات الشركة السرية كانت باسمها هي. هي شريك في التلاعب وفي الإهمال.
تحول الصراخ في الشقة إلى صمت مطبق. سُحب عاصم وأمه إلى الخارج وسط نظرات الجيران المصدومين. لم تلتفت داليا خلفها، دخلت غرفتها وأغلقت الباب، لتبدأ صفحة جديدة من حياتها؛ صفحة بطلتها هي وابنها فقط، بعيداً عن “السند” الزائف الذي كاد أن يودي بحياتها. ومن بعيد، كانت سيارة الإسعاف تنتظر لنقلها إلى المستشفى لاستكمال علاجها، لكنها هذه المرة لم تكن تشعر بالضعف. كانت تشعر أنها ولدت من جديد، وأن “الفيلم” الذي أراده عاصم، قد انتهى فعلاً، ولكن ليس بالنهاية التي كان يتمناها.